الشيخ محمد رشيد رضا
176
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد اختلف العلماء في حكم التسمية إذ ليس فيها نص صريح اجمع السلف عليه ، روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية هنا : إذا أرسلت جوارحك فقل بسم اللّه وان نسيت فلا جرح . فهو يرى أن التسمية عند إرسال الكلب سنة وقد روى ذلك عن أبي هريرة أيضا وتقدم وعن طاووس ، وروى البخاري والنسائي وابن ماجة من حديث عائشة ان قوما قالوا يا رسول اللّه : ان قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكروا اسم اللّه عليه أم لا فقال « سموا عليه أنتم وكلوا » قال وكانوا حديثي عهد بالكفر . وهذا يؤيد ما قلناه قبل من أن ظاهر الآية طلب التسمية عند الاكل . واما فقهاء الأمصار فقد قال الشافعي منهم بأن التسمية على الذبيحة مستحبة لا واجبة ولا شرط ، وقال أبو حنيفة ومالك واحمد في المشهور عنه هي واجبة وتسقط مع السهو والنسيان وفي رواية عن أحمد انها تجب مطلقا . والعمدة في هذا الباب آية الانعام ( 6 : 121 وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ) فقد ذهب بعض مفسري الأثر إلى أن المراد به ما ذبح لغير اللّه ، وذهب آخرون إلى أنه عام في جميع الذبائح ، قال ابن جرير بعد ذكر الروايات في الآية : والصواب من القول في ذلك أن يقال إن اللّه عنى بذلك ما ذبح للأصنام والآلهة أو ما مات أو ذبحه من لا تحل ذبيحته ، واما من قال عني بذلك ما ذبحه المسلم فنسي ذكر اسم اللّه فقول بعيد من الصواب لشذوذه وخروجه عما عليه الحجة مجمعة من تحليله وكفى بذلك شاهدا على فساده ، وقد بينا فساده من جهة القياس في كتابنا المسمى ( لطيف القول في احكام شرائع الدين ) فأغنى ذلك عن اعادته في هذا الموضع . واما قوله وانه لفسق فإنه يعني ان أكل ما لم يذكر اسم اللّه عليه من الميتة وما أهل به لغير اللّه لفسق . اه وخصه بعض الشافعية بما أهل به لغير اللّه وجعل الجملة حالية أخذا من قوله تعالى « أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ » وهذا هو المختار عندنا وسنعود إلى هذا المبحث في سورة الأنعام ان شاء اللّه تعالى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أي واتقوا اللّه أيها المؤمنون فيما أمركم به بأن تأتمروا به ، وفيما نهاكم عنه بأن تنتهوا عنه ، ان اللّه سريع الحساب لأن سنته في الجزاء على الاعمال انه أثر طبيعي لها لا يتخلف عنها ، فاعلموا أنه لا يضيع